أبجدية اللغة الكوردية الموحدة
جزء (3)

بعض اللغويين الكورد يقارنون إستخدام الأبجدية الآرامية للكتابة الكوردية مع اللغات اليابانية و الصينية و الكورية، التي لها أبجدياتها الكتابية الخاصة. يذكر هؤلاء بأنه رغم إستخدام أبجديات خاصة بهذه اللغات، فأن ذلك لم يقف عائقاً أمام تقدم و تطور لغات شعوب هذه الدول، بل أصبحت االيابان و الصين و كوريا الجنوبية على سبيل المثال، دولاً متطورة و متقدمة في العالم. نحن لا نستطيع أن نقارن الكتابة الكوردية مع الكتابة اليابانية و الصينية و الكورية الجنوبية لأسباب عديدة. أولاً: الدول الثلاث هي دول مستقلة و أن نفوسها كثيرة و أن هذين العاملًين يخلقان أرضية جيدة لتطوير اللغات المذكورة و أن تتبؤ مواقع متقدمة الى جانب اللغات العالمية المتطورة. ثانياً: إن شعوب بلدانٍ مثل اليابان و الصين و كوريا الجنوبية لا تتعرض لمخاطر الهيمنة الثقافية و اللغوية لشعوب أخرى، بينما الشعب الكوردي، بسبب إحتلال وطنه و تقسيمه و بسبب الدين الإسلامي المنتشر بين مواطنيه، قد فقد قسماً كبيراً من هويته و ثقافته و تراثه و أنه تتم كتابة لغته بثلاث أبجديات مختلفة و أن اللغة العربية قد أثرت على اللغة الكوردية بشكل كبير و أصبح التفكير الكوردي إستنساخاً للتفكير العربي. بكلام آخر، فأن اللغة و الثقافة الكوردية تواجه تحديات كبيرة بسبب هيمنة اللغة و الثقافة العربية عليهما.
يرى هؤلاء أيضاً بأن الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية قد بدأت منذ فترة طويلة و نُشرت بها كتب و مطبوعات ضخمة و تم تطوير هذه الكتابة و تحسينها خلال تلك الفترة و لذلك يعتقد هؤلاء بأن إختيار الأبجدية اللاتينية لكتابة اللغة الكوردية الموحدة سيؤدي الى ضياع ثروة ثقافية و تراثية كوردية عظيمة المتمثلة بتلك المنشورة و المطبوعة بالحروف الآرامية. إذا كانت الأبجدية اللاتينية ملائمة بصورة أفضل للغة الكوردية و تم إختيار الحروف اللاتينية لكتابة اللغة الكوردية الموحدة، عندئذ يمكن إعادة كتابة كافة النتاجات الكوردية المكتوبة بالأبجدية الآرامية و كتابتها بالأبجدية اللاتينية و أن التقدم التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم سيُسهّل كثيراً من القيام بإنجاز إعادة كتابة المطبوعات الكوردية المكتوبة بالحروف الآرامية. كما أن الفترة الزمنية التي خلالها تمت الكتابة الكوردية بإستخدام الأبجدية الآرامية هي قصيرة جداً مقارنةً بالفترة الزمنية التي يتم خلالها إستخدام الأبجدية اللاتينية لكتابة لغة كوردية موحدة، حيث أن الكورد سيستمرون في إستعمال الحروف اللاتينية في الكتابة الكوردية الموحدة لملايين السنين أو لفترة سرمدية لا تنتهي.
يعتقد البعض بأن اللهجة الکوردية الكرمانجية الجنوبية المتداولة في جنوب و شرق كوردستان و التي تُستعمَل الحروف الآرامية في كتابتها، تمتاز بالسهولة و المرونة بالإضافة الى سعة و قِدم إستعمالها. إنّ الأبجدية الآرامية و الحروف المستنبطة منها تفتقد الى بعض الأصوات الكوردية و التي تتم كتابتها بحروف لا تتطابق أصواتها مع الأصوات الكوردية. على سبيل المثال: يُستعان في الكتابة الكوردية بحرفَي (و) و (ێ) لتمثيل حرف (Ö)، كما في كلمة "ڴوێ GÖ" و التي تعني "أُذن". هذان الحرفان عاجزان عن إعطاء الصوت الصحيح لحرف (Ö) اللاتيني، حيث أنهما يعطيان الصوت "WÊ" بدلاً من الصوت "Ö". القارئ الكوردي يُميّز بسهولة الفرق الكبير بين الصوتَين. الضمة العربية تُكتب في الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية بحرف "و" و الذي يعطي صوت الواو في العربية بدلاً من صوت الضمة، كما في كلمة "كورد"، بينما في الكتابة الكوردية اللاتينية، فأنّ حرف "U" يُعطي الصوت الصحيح للضمة العربية كما في كلمة "KURD". صوت "الكسرة" العربية مفقود في الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية، كما مثلاً في كلمة "كوردستان"، حيث أن صوت "الكسرة" الموجودة بين حرفَي "الدال" و "السين" في كلمة "كوردستان" لا يمثله أي حرف في الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية، بينما في الكتابة الكوردية اللاتينية فأن صوت "الكسرة" يُمثّله حرف "I" كما في كلمة (KURDISTAN). كما أن الإملاء الكوردي بالحروف الآرامية يعاني من فوضى كبيرة، حيث أنه يُكتب بأشكال عديدة لا يحكمه قانون موحد.
إنّ الحروف اللاتينية فيها الأصوات الكوردية التي تفتقر إليها الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية و أن إملاء الكوردية بالكتابة اللاتينية سهل و موحد، بعكس الكتابة بالحروف الآرامية. كما أن اللغتين الكوردية و اللاتينية تنتميان كلتاهما الى مجموعة اللغات الهندو- أوروبية، لذلك فأنّ اللغة الكوردية هي أقرب بكثير الى اللاتينية، منها الى اللغة العربية التي تنتمي الى مجموعة اللغات السامية. يذكر الباحث التركي الدكتور إسماعيل بيشكجي في صفحة 316 في كتابه المعنون "كردستان مستعمرة دولية"، ترجمة زهير عبد الملك، دار APEC للطباعة و النشر، 1998، أنّ الخبراء اللغويين يعتقدون بأن الأبجدية اللاتينية هي الأكثر ملائمة للنطق الكوردي.

سبب وجيه آخر لتبني الأبجدية اللاتينية في الكتابة الكوردية هو تمكين اللغة الكوردية لمواكبة التقدم التكنولوجي و العلمي في العالم الغربي المتقدم و خلق كتابة قادرة على الإستفادة من هذا التطور العالمي، الذي تعجز الكتابة بالأبجدية الآرامية القيام بها. اللغة العربية نفسها أصبحت لغة متأخرة و مغمورة في عصر العولمة الذي نعيش فيه الآن و أن مؤتمرات و إجتماعات كثيرة يتم تنظيمها و عقدها لدراسة التحديات التي تواجهها اللغة العربية و إيجاد وسائل لتطويرها لتستطيع مواكبة متطلبات العصر.
سبب آخر مهم جداً لتفضيل الأبجدية اللاتينية على الأبجدية الآرامية هو إنقاذ اللغة و الثقافة الكوردية من التبعية للغة و الثقافة العربية، و خاصة إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار خطورة هذه السيادة اللغوية و الثقافية على الكورد نتيجة إحتلال قسمٍ من كوردستان من قِبل العرب و لِكَون غالبية الكوردستانيين مسلمين، حيث يتم إستغلال الدين الإسلامي لتعريب اللغة و الثقافة الكوردية و الفكر الكوردي بسبب كون الدين الإسلامي هو دين عربي بفلسفته و أفكاره و ثقافته و كُتبه و طقوسه.
علماء اللغة يضعون ثلاث خيارات للعثور على أو إيجاد مفردات جديدة للغة ما. الخيار الأول الذي يبدأ اللغوي به هو البحث عن كلمات أصيلة للغة المعنية في اللهجات التابعة لتلك اللغة و في المناطق التي تنتشر فيها، للعثور على الكلمات الأصيلة التي تفتقدها تلك اللغة و تحتاج إليها. بالنسبة لهذا الإختيار، فأنّ اللغة الكوردية هي لغة ثرية جداً و مناطق مثل لورستان و إيلام و خوزستان، التي هي موطن الحضارات الكوردية القديمة، هي خزين إستراتيجي للمفردات الكوردية. أعتقد أن اللغة الكوردية تفتقر الى المصطلحات التكنولوجية و العلمية الجديدة بسبب كون كوردستان بلداً محتلاً و زراعياً متخلفا ً، تتبع الإنجازات العلمية و التقنية للدول الصناعية المتقدمة. إذا فشل المرء في العثور على كلمات لغوية أصيلة، فأنه ينتقل الى الخيار الثاني، حيث يعمل على إستنباط كلمات جديدة تتلاءم مع نطق تلك اللغة. إذا تعذر الأمر في إبتكار مفردات جديدة فأن آخر خيار للغوي يكون بالقيام بإستعارة كلمات أجنبية و تحويرها بشكل يتجاوب مع نطق اللغة المعنية.
إن كوردستان هي مهد الحضارات و اللغات و أن أسلاف الكورد السومريين هم الذين إبتكروا الكتابة و الأرقام، لذلك فأن اللغة الكوردية هي لغة ثرية جداً و كل ما يحتاجه اللغويون الكورد هو جمع مفردات اللهجات الكوردية و إجراء مسوحات ميدانية، و خاصة في المناطق النائية المحتفظة بمفرداتها الكوردية الأصيلة و الإلتجاء الى كتاب (آفيستا) الذي يحمل في طياته المفردات الكوردية العريقة و الإستعانة بكتب الديانات الكوردية القديمة الأخرى، مثل الديانة الإيزيدية و الكاكائية التي تُعتبر من المصادر الأصيلة للمفردات الكوردية و البحث في ثنايا الوثائق و الكتب الكوردية القديمة و الكتابات الكوردية في معالم الآثار التي تنتشر بشكل كبير في أرجاء كوردستان، بدلاً من محاولة تعريب اللغة الكوردية و إدخال مفردات و أصوات أجنبية غريبة على اللغة الكوردية و الذي يؤدي الى تشويه لغتنا الجميلة. يجب أن لا ننسى بأن اللغة الكوردية هي من أعرق اللغات في العالم و أن جميع اللغات الهندو- أوروبية و بدون إستثناء، متأثرة بها و إستعارت منها الآلاف من الكلمات و أنّ الباحثيين اللغويين الكورد مدعوون لإجراء دراسات و بحوث لمعرفة تأثير اللغة الكوردية على اللغات الهندو- أوروبية و لغات الشعوب الجارة للكورد من عرب و أتراك و فرس.
الكورد بحاجة الى البحث عن كلمات كوردية أصيلة في كافة اللهجات الكوردية، من لورية و كرمانجية شمالية و جنوبية و هورامية لإثراء اللغة الكوردية و تخليصها من مفردات أجنبية و أصوات غير موجودة في اللغة الكوردية مثل حروف ال(ع) و ال(غ) و ال(ح). لو نعود قليلاً الى تصفح التأريخ الكوردي القديم، لنرى أن قمم جبل جودي في شمال كوردستان كانت مهد الحضارة البشرية الثانية و أن جميع الحضارات الكوردية العريقة ظهرت في لورستان و إيلام و بلاد ما بين النهرين، بدءً من الحضارة السومرية و مروراً بالحضارات الإيلامية (العيلامية) و الميدية و إنتهاءً بالإمبراطورية الساسانية. من عراقة الحضارات الكوردية، ندرك أن أرض كوردستان، المناطق السهلية المنبسطة منها، كانت مهد اللغات و الثقافات و العلوم و الديانات و المعتقدات و أن الشعوب العربية و الفارسية و التركية و الأوروبية قد أخذوا الكثير من المفردات الكوردية و أثروا بها لغاتهم و إستعانوا بها لتطوير لغاتهم و سد نواقصها. يذكر البروفيسور الإنكليزي "واديل" في مقدمة قاموسه السومري – الآري بأن أكثر من 50% من كلمات اللغة الإنكليزية الحالية التي هي اللغة الرسمية لكوكبنا الأرضي في الوقت الحاضر، مأخوذة من اللغة السومرية، لغة أسلاف الكورد (1).


التسميات ,

إرسال تعليق

يسعدنا تفاعلكم بالتعليق,ولكن يرجى مراعاة الشروط التالية لضمان نشر التعليق
ان يكون التعليق خاص بمحتوى الموضوع 1⃣
يمنع نشر روابط خارجية بداعي الاعلان 2⃣
اذا لديك سؤال اضغط على زر "اتصل بنا" اعلى الموقع 3⃣
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ارسل رسالة للادارة

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.